Archive for the ‘قصص قصيرة’ Category

أمي في الجنة

Posted: September 10, 2016 in قصص قصيرة

أستيقظت فجراً على أصوات غريبة في المنزل، خرجت من غرفتي متسللا خوفاً من أن يكون خلف هذه الأصوات عصابة كالتي يحاربها المحقق كونان، وجدت أبي جالساً في زاوية صالة التلفزيون، يبكي بشدة، تعجبت فهذه المرة الأولى التي أجده يبكي، قد تكون بالفعل عصابة سرقت شيئاً ثميناً منه، ووجدت جدتي في المنزل أيضاً، في هذا الوقت؟ تعجبت أيضاً، الأكثر عجباً هو أنني أمر من أمامه وكأنه لا وجود لي، فلا هو يركض يحضنني كالعادة، ولا هي تقبلني بحنان كما تعودت. بحثت عنها، فأمي وحدها ستشرح لي ما الحاصل، لم أجدها في أي مكان. عدت للصالة وأبي في نفس حالته الأولى، سمعته يتحدث مع جدتي عن أمور لا أفمهما، دفن، المعزيين، المرحومة، لكنني سمعت كلمة أعرفها، موت، شرحتها لي أمي مرة عندما فقدت سمكتي الصغيرة، هو عندما ذهبت للجنة لأنها كانت سمكة طيبة تحب الناس، لكن عن موت من يتحدثون؟ سمكتي ماتت منذ فترة طويلة. بدأ القلق يتمكن مني، أين أمي هي من كنت ألجأ لها عندما يغمرني أي إحساس لا أفهمه.

رجعت إلى أبي أسأله: أين ماما، وجدته ينظر إلي بنظرات لا أفهمها، حزن شفقة قلق، ذهبت إلى جدتي ووجدت نفس تلك النظرات، ركضت إلى “نانا سيلفيا”، سألتها: نانا وين ماما؟! قالتلي بحزن شديد، “ماما نو مور”، لم أفهم ما تقصده، ركضت إلى غرفتي واحتضنت دبدوبي بقوة، ربما يشرح لي هو ما لا أفهمه.

جاءني أبي وأحتضنني بقوة، شرح لي كيف أن روح الإنسان ملك لله، وأن الله يختار ان يأخذ روح أحد قبل أخر، لا أعرف لماذا لا يعرف أبي شرح الأمور ببساطة، أخذ يتحدث كثيراً إلى أن وصل إلى كلمة “ماما ماتت”، شعرت أن الدنيا توقفت للحظة، أنا سعيد أن ماما في الجنة، فهي طيبة وتحب الناس، لكني أحتاجها، أريد ان تكون أمي معي. لا أعرف لماذا ولكن أول ما خطر على بالي هو أن أذهب إلى الجنة أيضاً، أريد أن أكون بقرب ماما، لكني لا أعرف كيف. فجأة أشتقت لها كثيراً، ندمت على تلك اللحظات التي تناديني فيها ماما لأجلس بجانبها وأقول لها اني أريد أن ألعب على الأيباد، أو تلك اللحظات التي لم أسمع فيها كلام ماما. دفعني الشوق أن أذهب إلى غرفتها، وقفت أمام تسريحتها، أمسكت عطرها الأحمر، رائحته تذكرني بها، ركضت وخبأته في صندوقي الذي علمتني ماما أن أضع فيه كل شيء أحبه.

مرت الأيام، وكلما اشتقت لماما أصبح العطر ملاذي الذي يشعرني بالطمأنينة ، رائحته تغمرني بشعور القرب منها. صحيح أن ماما في الجنة وأنني أشتاق لها كثيراً ولكني سعيد أنني أستطيع الوصول إليها، وكلما واجهتني مشكلة اعتدت ان اذهب لأمي لتحلها، سألجأ لعطرها وسيلهمني حلاً لمشكلتي.

بدأت الأسئلة تنهال عليه، ما هو مكان الكتابة المناسب وما هي وجبة الطعام المفضلة، أسئلة شعر أنها تهينه اكثر من ان تشعره بأنه اصبح من المشاهير
وقف صحفي وسأله ببرود: في كتابك انت تتكلم عن الحرية ، ولكن دائماً تكتب ما يثير القراء، دائماً تستفزهم بأفكار غير تقليدية، إلا تعتقد ان هذا يضع قلمك تحت رحمتهم؟
بهت الجميع! كيف لهذا الصحفي الذي يبدو جيدا من سؤاله انه مغمور ان يحرج الكاتب بهذا الشكل، إلا هو، نظر بإعجاب، أجاب ببرود حتى لا يظهر إعجابه: هذا قد يكون موضوع كتابي الثاني، كيف تتخلص من قمع القراء! قهق الناس في القاعة واستكمل البقية اسألتهم المهينة.
عاد إلى منزله يفكر في موقف اليوم، اصبح بين ليلة وضحاها من المشاهير، لم يخطط لذلك ، بدأ الموضوع كله في غرفته الصغيرة، يكتب فيها، وقرر يوما ما ان يعرض ما يكتب، عرضه في احدى المدونات وانتقل إلى تويتر واصبح حديث كل متابعيه، وهكذا ساقته الأقدار إلى هنا، اليوم يعرض كتابه الأول.
لكنه شعر ان أمراً ما تغير فيه، نعم أحب هذا النجاح،أحب هذا الإهتمام الذي حصل عليه، ولكنه فجأة أصبح يلاحظ ما يقول لانه قد يؤثر على هذا، وان غضب ذاك ما ستكون ردة الفعل الجماهيرية. شعر أن حرية التعبير التي أوصلته إلى هنا سرقت منه، لا لان فلانا يفرض عليه رأياً معينا ولكنه مجبر بسبب ضغط الجماهير ان يأخذ هذا الرأي وإلا فقد هذه الشعبية التي حضي بها.
مرت في باله فكرة، تجربة هي بالأصح، تردد في فعلها ولكن روح المغامر لديه أُشعلت ، فقرر تطبيقها، خلق شخصية في الإنترنت مخالفة في الأراء لشخصيته!
بدأ بجمع عدة أفكار، وعدة خطوط عريضة يجب ان تكون شخصيته الوهمية مؤمنة بها، كون أفكار معينة وبدأ بالمشوار. اختار تويتر لسرعة الوصول للمتابعين. بدأ بهدوء يجمع المتابعين عن طريق التعليق على آراءهم، بنقاش هاديء بسيط، وثم بدأ بتسخين الحوار مع شخصيته الحقيقية التي عادة بالكاد تلحق لمتابعة الردود التي تحصل عليها فكيف بها تدخل في حوار مع احد، اهتم الناس به، هناك من أتفق وهناك من خالفه، ولكن أفكاره بدأت تأخذ مكاناً في الساحة السياسية، الأفكار التي لا يؤمن بها!!
لم ينتبه إلا وقد جمع عدد كبير من المتابعين،من المؤيدين، ممن غيروا وجهة نظرهم لمجرد وجود وجهة نظر مخالفة في الساحة.
اكثر من تفاجأ من نتيجة التجربة هو نفسه، عرف ان الموضوع ليس مجرد رأي ويطرح، هناك طاقة مثل المد والجزر تسحب الآراء يمنة ويسرة ، هناك تلك القوة الجماهيرية التي تجبر أحدهم ان يتبعها دون ان يعي ما هي حقاً تقول.
وقفة: ـ
القصة السابقة نراها كل يوم، يفتح أحدهم ذو شعبية موضوع حساس، بطريقة عفوية نرى الأغلبية تتبعه،. هي قوة الجمهور، التي تفرض رأياً قد لا تقتنع به ولكنك تمضي خلفه لان الناس تسيير! كم قرأت لأشخاص شعروا بالإقصاء لمجرد أ، رأيهم لم يكن كرأي الجماعة! البعض قد يملك الجرأة والشجاعة أن يقف برأيه مخالفاً للجميع، أخرين سيلتزمون الصمت أمام هذه الجماعة التي تسير نحو اتجاه موحد ، ولكن الغالبية (دون إدراك منهم في أغلب الأحيان) سينجرفون مع هذا السيل دون تعمق في ما يقال. مقالي هذه هو طلب أن نقف عند كل حملة، نفهمها، ندرك ما تعني بالضبط قبل أن ننجرف خلفها!

أحلام

Posted: May 23, 2012 in قصص قصيرة
تقوقعت في ركنها المعتاد تحمل في يدها صندوق صغير صنع ليحمل حذاءها الأسود لكنه يحمل الآن ذكرياتها الملونة، فتحت الصندوق وجدت رزمة من الصور موضوعة جانباً، ابتسمت عندما رأت صورة لها وابوها يحملها عالياً، حاولت قراءة عيني ابوها رأت فيها لمعة تقول ساحملك دوما عالياً، تنهدت بحسرة، وتركت الصور جانباً، رأت ورقة طويت، فتحتها فإذا بها شهادة دراسية للصف الأول، كتبت فيها مدرستها أنها فتاة ذكية وتتوقع لها نجاحا باهراً، ابتسمت بحسرة أيضاً وتذكرت وجه مدرستها باهتا في ذكرياتها، طوت الورقة مرة أخرى بعد أن ضمتها الى صدرها لتطلق تنهيدة عالية أخرى.
قلبت محتويات الصندوق، وجدت ورقة عبارة عن استمارة تسجيل في دروس للسباحة تطوعت المدرسة بترتيبها، تذكرت كيف انها ترجت اباها ان يوافق على النشاط ولكنه أقنعها أن السباحة رياضة غير مناسبة للفتيات، فالمسبح المستأجر غير مؤمن كلياً، اقتنعت بحسرة حينها وازدادت حسرتها وهي ترى رفيقاتها يتجهزن لهذه الدروس.
وجدت كتيب صغير تذكره جيداً، كان هدية من استاذتها في الثانوية، يتحدث الكتيب عن أن الناجحين في الحياة هم الحالمين، تنهدت فلم ينجح في حياتها سوى الحلم.
تذكرت انها حصلت على درجة جيدة في الثانوية، وانها شعرت انها بدرجتها الجيدة ستنجح في دخول التخصص الذي حلمت به وهو الإعلام، ذكرت ذلك أمام والدتها فأخبرتها أنها ستدخل كلية التربية وهذا قرار نهائي، حاولت أن تعارض ولكن الرفض التام كان الجواب. “ما عندنا بنات يدرسن اعلام” كان السبب.
رجعت للصندوق مرة أخرى، وجدت قصاصة من مجلة قصتها عندما ارادت ان تخيط ثوب زفافها، زواجها الذي لم تترقب فيه سوى الحفل، فلا هي عرفت اي شيء عن زوجها قبل زواجها ولا استشيرت فيه اصلا، فقد كان شابا خلوقا ومن عائلة محترمة وهكذا كان القرار! حمدت ربها انه كان زوجا طيبا ولكن طيلة سنوات زواجها لم يكن بينهما اي شي مشترك سوى العشرة.
بين اكوام الذكريات وجدت رسالة، حصلت فيها على منحة لإستكمال الماجستير ومعنى ذلك أن فرصاً أكبر ستفتح لها في عملها، تحمست لها وطارت بها الدنيا وهي تحلم ان تحمل انجازا لها عالياً، استمعت لرد ابويها وبمباركة زوجها انها لن تتحمل الدراسة في الغربة، وأن عليها الإعتذار عن المنحة. لم تقوى على هذه الذكرى ونزلت دمعة ساخنة على خدها، فقد كانت احدى منعطفات حياتها ، المنعطف الذي قررت فيه أن تنسى احلامها وأن تستسلم لواقعها.
وها هي الآن، تقف أمام أحلامها وجهاً لوجه، لا تريد أن ترثى لحالها ولكن لا تستطيع إلا ان تتحسر على طموح احست به واحلام عاشتها.
استيقظت من احلامها، لتتذكر أنها رغم عدم تحقيقها لأحلامها ولكنها عاشت واقعاً عشقته، رزقت بأربعة أطفال ربتهم ليسعوا خلف أحلامهم لترى ابنتها منار طبيبة وابنها خالد اعلامي بارز وابنها علي رياضي ناجح وابنتها سعاد تحمل دكتوراه في التربية.

Re-posting: عيون حية

Posted: September 14, 2010 in قصص قصيرة

عيون حية

أمسكت بالشيلة وحاولت أن تلفها على رأسها .. تقدمت بخطوات حذرة ، وقفت أمام المرآة .. تحسستها بيدها وأطلقت ضحكة تخللها انهمار دموع ساخنة على خدها ، دخلت أختها إلى الغرفة بعجلة: ريم هيا .. سنتأخر .. ستدخل العروس ونحن ما زلنا هنا .. ابتسمت ريم: أنا جاهزة أختي العزيزة .. أريدك أن تضبطين الشيلة حيث أنني أشعر أنها غير مرتبة. ردت أختها: لا بالعكس تبدوا ممتازة .. هيا سنتأخر ..

شعرت بألم الحرمان يتعاظم، وكأن لسان حال أختها يقول: وما يهمك أنت، فالكل يعرف أنك عمياء ولن يهتم إن كانت شيلتك مضبوطة أم لا .. شعرت بألم الاحتياج إلى شخص أخر ، بالعجز عن أبسط حق وهو رؤية نفسها في المرآة .. أخفت أحزانها وتبعت أختها وهي تقودها إلى السيارة ..

 

قامت أحلام أخت ريم بتشغيل المسجل عند دخولها السيارة، تضايقت ريم، فقد أرادت أن تسمع أصوات السيارات و ضوضاء المدينة ، هذا الصوت الذي كانت تنزعج منه سابقاً أصبح النافذة الوحيدة التي تستطيع من خلالها تخيل ما يمكن أن يكون المنظر من حولها، أصبحت أذناها تقوم مقام عيناها.

 

سمعت صوت مكابح السيارة تقف بسرعة، أحلام وسرعتها الجنونية، دائماً تحذرها من الوقوع في حادث لا سمح الله، عادت إلى سنة مضت وكيف كانت مثل أحلام، تسابق البرق في قيادتها، تندم على كل منظر جميل مرت عليه ولم تقف لتتأمله، فها هي الآن تتوق نفسها إلى رؤية اللون الأخضر، أو الصحراء أو أي منظر أخر ..

أفاقت وصوت أحلام يهزها: ريم هيا أمسكي بيدي .. لا نريد أن نتأخر

 

دخلوا إلى قاعة العرس، شعرت بحرارة في المكان وصوت الموسيقى الراقصة يهز أرجاء القاعة، تمسك أحلام يدها بقوة، تشعر بها تمشي بتبختر وكأنها تتعمد جذب الانتباه، تسلم على خالة سلمى وخالة شيخة .. ومن ثم على خالة مريم وخالة فاطمة ، كلهن يؤكدن على قمة جمال أحلام و من ثم ينهين حديثهن بمدح ثوب ريم وكأنهن يقلن بطريقة أخرى: لا عليك تبدين جميلة وأنت عمياء!

 

تصر ريم أن تقابل الجميع بابتسامة ، تريد أن تقول لهم أنها راضية بقدرها وسعيدة به، ولكنها تتقطع ألماً كلما مرت إحدى النساء لتسألها: أتعرفينني؟ أنا أم فلانة .. كيف لا أعرفك ونبرة صوتك الرنانة تملأ أرجاء المكان ، لماذا يذكرنها بقصورها، لماذا تقول نبرة صوتهم: مسكييييييينة .. كم تكره هذه الكلمة وكم تطعنها نبرة الصوت تلك!

 

تقودها ريم إلى طاولة بجانب سماعات المسجل، كم هي المرات عديدة تلك التي ترجت ريم أختها أن تبعدها عن المسجل ، ريم لا تبالي ، فصديقات العمر جالسات على تلك الطاولة ، هن الأهم . حاولت ريم أن تبلع غيضها وألمها وأن تشارك أحدهم الحديث، ولكن تشعر وأن الجميع يعطونها ظهورهن ، لا تراهن ولكنها تعلم أن هذا ما يحدث عادة ، حاولت أن تلهي نفسها بسماع الأغاني، ولكنها سخيفة لا معنى لها .. أه ونص ، ومعجبة مغرمة (طب ما تحبي وأنا مالي؟؟ ) ، تمنت لو عادت إلى غرفتها و استمعت إلى أشعار حامد زيد أو أسير الشوق ، على الأقل تعيشها تلك الأشعار رومانسية تحلم بها.

ولكنها تذكرت، لا لن أترك الابتسامة، لست هنا للتمتع بصرخات المغنيات و دق الطبول، هي هنا لتبتسم، لتقول للجميع أنها بخير وأنها لن تدفن وجهها في التراب حتى وإن كان حضورها يعتبر دفن لنفسها السعيدة.

 

 

 

 

شعرت بيد حانية تربت على كتفها الأيمن، عادة تمقت الأيادي الحانية فهي تحمل بين طياتها شفقة وأسى لا تحبهما، لكن كان لهذه اليد معنى أخر ، كانت تقول أنا أفهم و أنا أقدر مقدار الألم الذي تمرين به ، وجهت رأسها تجاه اليد .. إبتسمت وسألت : من؟ رد عليها صوت أحن: أنا شمس ، قريبة والدتك .. تذكر شمس عندما كانت صغيرة وقبل الحادث بأعوام عديدة، تصغرها بثلاثة أعوام ، كانت طفلة تملأ المكان حياة كلما دخلت ، تذكرها بتفاصبل وجهها الجميلة ، ردت ريم: أذكر شمس الصغيرة ما شاء الله كبرت

شمس: أوه نعم كبرت .. وصرت “حرمة” .. ضحكتا ضحكة صافية ولأول مرة منذ دخلت القاعة شعرت أنها تقضي وقتاً ممتعاً ، ولكنها فجأة تذكرت .. وعرفت لماذا تحنو عليها شمس ، لماذا كلمتها شمس ، لدى شمس أخت تعاني من متلازمة داون، أخت معاقة ، تشعر شمس أن يد حنية تعني الكثير لمن يحتاجها، تضايقت ريم، لاتريد يد تحنو عن شفقة، لا تريد يد تحنو لتقول أعلم مدى تعاستك ، تريد يداً تقول لها مرحباً بك كإنسانة. إستأذنت ريم بأدب وطلبت من أحلام أن تأخذها إلى طاولة أمها.

 

لم تجد كرسياُ بقرب أمها فأخبرتها أحلام أن هناك كرسي في نفس الطاولة فوافقت على الجلوس عليه، جلست ، بعد أن فقدت بصرها طورت حاسة سمعها وأصبحت تسمع ما يتهامس به الناس، سمعت المرأة التي بجانبها تهمس لجارتها: من هذه الجميلة الجالسة في طاولتنا؟ ، ردت جارتها: لا أعلم ولكنها تشبه آل راشد ، قد تكون منهم ، إبتسمت ريم وهي فخورة بسماتها التي تشبه أباها بشدة ، أكملت المرأة: رجاءً إسألي لي ، فإبني يبحث عن زوجة وإن كانت بهذا الجمال ومن آل راشد فنعم الزوجة ، صعقت ، لأول مرة تشعر أنها مثل البنات، لأول مرة تشعر أن هناك أمل ولو أنها على يقين أن المرأة إن علمت بعماها ستغير رأيها، ولكن الشعور بأنها مرغوبة ولو شكلياً أشعل فيها أملاً جديد أً ، أشعرها بأن للحياة نور!

 

قامت من مقعدها ، وبثقة توجهت للطاولة السابقة وحدها ، ووقفت تصفق مع البنات.

إتكأت على عكازتها المهترءة ببطء نحو شاشة المحمول .. لم يعد محمولاً فقد توقفت عن حمله منذ زمن بعيد، فيدها المبتلاة بالنقرس ورجليها بإلتهاب المفاصل لا تقويان على حمل ريشة. جلست على الكرسي وبدأت بطباعة صفحة بريدها الإليكتروني، أدخلت الرقم السري، جميع الرسائل موجهة من أختها، ولدها وصديقاتها، لكنها لم تستلم أي رسائل شخصية، كلها أدعية ونصائح .. ولكن رسالة جذبت إنتباهها .. موجهة من منتدى كانت تشارك فيه بنشاط .. نقرت على الوصلة وأخذتها إلى صفحة غريبة وقريبة .. صفحة قد تكون تغيرت الألوان فيها .. ولكن شيئا ما فيها يشعرها أنها تعرفها تماماً !ـ

تصفحت في المنتدى ، لم تتعرف على أي من المشاركين الجدد، ذهبت إلى صفخة البحث ، تذكرت إسمها المستعار وبدأت تبحث عن مواضيع كتبتها .. بعد أن نقرت على “بحث” .. ظهرت قائمة طويلة بمواضيع كتبتها .. مواضيع شاركت فيها وأناس عرفتهم من خلال مشاركتهم، أخذت تقلب الموضوع بعد الأخر .. ضحكت، بكت وغضبت .. أخذتها الصفحات إلى أيام كانت لحظاتها الإليكترونية ممتعة، غنية وسعيدة .. كانت تُعرف وتَعرف .. كانت تحمل هوية معروفة ومميزة .. .. كانت تشعر بذاتها وبشخصيتها أينما كتبت!ـ
حنت لتلك الأيام، فهي تنظر لنفسها اليوم وتحاول أن تتذكر متى كانت أخر مرة ناقشت موضوعا حيويا وتمسكت برأيها بحرارة؟ متى كانت أخر مرة لمعت وسط جمع من ال”شياب والعجاجيز”” وهي تقول رأيها بصراحة؟
تحسرت على الأيام القديمة .. ونظرت إلى حالها اليوم وهي عجوز ضعيفة لا تقوى على قلب صفحات كتاب .. نقرت على صفحة التسجل، وقررت أن تستعيد نفسها التى غاصت ي صفحات إليكترونية قديمة!ـ

تمت
_———————————————————————–

محاولة مستميتة مني لأعيد قلمي الذي جف مع الأيام للكتابة من جديد .. ليست بالجودة التي أتمناها ولكن رجاءً أصبروا معي علني أستطيع كتابة قصة ذات وقع يوماً ما! ـ

كنا هناك بين الجمع الغفير الذي حضر ليتوج أربع سنوات من أعمار فلذات أكبادهم بشهادة تؤهلهم لخوض معترك الحياة، كان الجمع كله ينظر بزهو إلى الطالبات الائي تقدمن بثبات إلى المنصة ، كأن الواحدة تقول أنها هنا لتحتفل بكل ساعة قضتها وهي غارقة في كتاب مكتوب بطلاسم يصعب فهمها، وبلحظات كان القلق هو العامل المشترك بين كل خلايا جسمها، جائت تقول أنه بعد كل هذا هي مستعدة لتواجه الحياة المهنية ، تقولها لأنها لا تعرف ما هي الحياة المهنية!!

لم يشد إنتباهي من هذا الجمع، إلا عائلة مكونة من رجل تسلل الشيب إلى لحيته السوداء عبر السنوات حتى أصبح اللون الوحيد، وإمرأة ترى خطوب الحياة مرسومة في تقاسيم وجهها بعناية، وابن يبدو في الثلاثينات من عمره، ما شدني إليهم هي بساطتهم المتناهية وهندامهم البسيط.

أخذت أفكر، ما الذي يفكر فيه هذا الأب في مثل هذه اللحظات؟ كم هو فخور بإبنة إختارت تخصصاً من أصعب التخصصات وبلسان أعجمي لا يفهمه.. ما شعور الأم وهي ترى نتاج سهرها الليالي لتساند إبنتها وهي تذاكر مستنير يسراج قديم. والأخ الذي لم يحالفه الحظ ليحضى بشهادة جامعية ولكنه عمل جاهداً أن تهنأ أخته بتلك الفرصة.

تخيلت كل تلك الأحداث، ترقرقت دمعة تحاول ملامسة خدي ولكني أمسكتها متذكرة أن القصة من نسج الخيال، رأيت الإبنة متقدمة إلى طاولة عائلتها وقبلت رأس والدها ولفت أمها بحرارة، عندها أدركت أن ما تخيلته لم يكن خيالاً و نزلت الدمعة ساخنة!

الحرمان

Posted: July 28, 2007 in قصص قصيرة

دق على باب غرفتها بقوة .. لا صوت .. لا يسمع أنينها المعتاد .. هدوء غريب يسكن ذلك الغرفة اليوم .. أصر على أن تفتح الباب .. لم ترد عليه .. أحس برعشة سرت في عروقه .. لا بالتأكيد لم يحصل ما وصل فكره إليه .. دق الباب بقوة أكثر .. قرر أن عليه أن يكسره .. وكسره ..

وجدها هناك .. كالملاك .. نائمة؟ .. هزها بقوة مذعوراً .. فتحت عينيها بهدوء .. وبصوت خافت قالت .. سالم؟ ماذا تريد؟؟ دعني أرحل بسلام! .. ما إن سمع هذه الكلمات إلا وسرت تلك الرعشة في عروقه مرة أخرى .. حملها وأسرع بنقلها إلى أقرب مستشفى ..

هناك وقف ينتظر وفرائصه ترتعد .. خاف أن يخسرها! .. نزلت دمعة ساخنة من مقلتيه .. كيف حدث ما حدث .. كيف سمح لنفسه أن يهمل هذه الدرة التي كان منزلهم يزهو بها! ..لام نفسه بشدة .. كان عليه أن يفهمها .. هو من بين الكل كان أقربهم إلى قلبها .. تذكر كل تلك المرات التي ركضت إليه ودموعها على خدها .. تشتكي من هذه ومن ذاك وكان هو من يمسح دمعتها .. لماذا تركها تأن لوحدها اليوم ووقف هو موقف المتفرج؟!!

خرج الطبيب بعد ساعة من الانتظار .. نظر إليه بعين غاضبة .. خجل سالم من النظر في عيني الطبيب .. قال له الطبيب: ما صلة قرابتك بالمريضة هدى؟ .. رد سالم: أختي ..

قال الطبيب: أختك يا أخ سالم مصابة بانخفاض حاد في ضغط الدم .. تعاني أيضا من فقر الدم ! أظنها لم تأكل شيئاً ليومين!!

تفاجأ سالم: ولكننا ندخل الطعام إلى غرفتها .. صدقني يا دكتور هي من ترفض الخروج إلينا!

الطبيب: على العموم .. سنستبقيها هنا ليومين أو ثلاث حتى تستقر حالتها .. ورجاءً إن كان هناك أي موضوع يستثيرها علينا أن نبتعد عنه !

شكر سالم الطبيب .. ودخل على أخته .. نظرت إليه بعيون واهنة .. وكأنها تلومه (أو هكذا أحس)

قالت: سالم .. شكراً على إنقاذي .. لم أرك مذعوراً في حياتك مثلما رأيتك عندما طلبت منك أن تتركني أرحل بسلام .. ورسمت بسمة عذبة على شفتيها ردت روح سالم إليه!

ابتسم سالم .. وأمسك بيديها .. وطلب منها أن تهدأ ويريد منها شرح وافي عما حصل لاحقاً ..

نامت هدى بهدوء .. وأستغرق سالم في تأمل أخته الصغيرة إلى أن نال منه النوم أيضاً !

زقزقت عصافير الصبح كعادتها .. ودغدغت أشعة الشمس وجه هدى .. فتحت عينيها فوجدت أخوها سالم مطرق الرأس .. نائماًً .. هزته بهدوء .. فتح عينيه وكأنه يستغرب أين يكون في هذا المكان .. بعد ثوان من الوجوم والحيرة تذكر أحداث ليلة البارحة.

سالم: كيف حالك اليوم يا أختي الغالية؟

هدى: أشعر بنشاط غريب .. و بنفسية مرتاحة جداً ..

سالم: طبعاً يا أختي الشقية .. لقد أضربت عن الطعام ليومين .. كان ضعفك شيئاً طبيعياًً بعدما فعلت ..

أطرقت هدى رأسها خجلاً … ونظرت بعدها إلى عيني أخوها كأنها تريد أن ترسل من خلالهما أسفها الشديد ..

أمسك سالم بيدي هدى .. وبكل حنان .. سألها: ماذا حصل لك يا هدى؟؟ لماذ صرنا نفتقد ابتساماتك المشرقة كثيراً مؤخراً ؟؟!!

أدركت هدى أن الوقت قد حان لتفصح عن ما تشعر به لأخوها .. كاتم أسرارها ..

هدى: سأخبرك عن ما يحل بي .. وكن أرجوك عدني ألا تحرمني من سعادتي .. لا تطلب مني أن أقوم بما يصعب علي تحمله ..

رد سالم بتلقائية : طبعاً أعدك يا أختي الغالية ..

هدى : سالم .. أنا أحب ! وقبل أن تقول أي شيء رجاءً اسمعني للنهاية ..

هو شخص كتب الله أن يولد في عائلة مختلفة اجتماعيا .. لن ترضى جميع قوانين مجتمعنا أن نلتقي .. بل ستحاربني إن أنا فكرت ولو للحظة الارتباط به .. ولكني أحبه .. وسأظل أحبه وإن لم نلتقي ..

سالم (بانزعاج بادي على وجهه يحاول أن يخفيه): ما زلت صغيرة على هذا الكلام يا هدى ..

هدى: سالم .. لم أعد أختك الصغيرة .. أصبحت فتاة أكتشف الدنيا أتعلم منها .. سالم .. أعرف ما هو رأيك في ما أقول .. وأعرف أن الجميع بلا استثناء سيطلبون مني أن أنساه .. أعرف هذا وأحاول أن أروض نفسي على حرمانها من أصدق عاطفة وجدت على الأرض .. لذلك أثرت أن أروض نفسي على الحرمان .. حرمت نفسي من الطعام ليومين .. وها أنا ذي .. لم أمت .. إذا علي أن أحرمها من قلبها .. وسأعيش وإن كنت سأكون بلا قلب!

أطرق سالم رأسه .. أحس بتضارب كبير بين عقله وقلبه .. عقله لا يسمح بما تقوله أخته .. هي أخته ولا يريدها أن ترتبط بمن هو أقل منهم اجتماعيا .. هذا شيء غير مسموح بكل الأعراف!!

ولكن قلبه رق لحالها .. هو يعرف كيف يمكن للحب أن يكون مؤلماً .. كيف يسكن روح المحب ويستنفد كل طاقتها!!

هدى: لست مجبورا على إعطاء رأيك الآن . .. فلننس الموضوع .. اسأل الطبيب متى سيتم إخراجي من هنا .. أنا جائعة !!

سالم: قال أنك ستخرجين اليوم .. ولكنه سيأتي للإشراف عليك مرة أخيرة

عادا إلى المنزل .. وكلاهما يبحر في عالم أخر .. هدى تبحر في بحر الحزن الذي سكن قلبها .. وسالم يبحر في بحر من الحيرة، الحيرة بين قلب أخته وقلب مجتمعه!

فكر سالم في الموضوع ملياً، وكلما بحث الموضوع أكثر أدرك صعوبة ما تطلبه هدى، أدرك أن أعراف المجتمع تطبق على هذا الموضوع بطريقة لا تسمح بمتنفس عنه، ماذا سيقول عمها إن علم، و خالها؟، هذا وهو لم يفكر كيف يقنع أبوها !

عاد سالم إلى أخته هدى، مطرقاً رأسه ، قال لها والكلمات تخرج من فمه بأسى ، قال وهو يتأتيء: أختي .. سامحيني .. أريد أ، أكون المعين لك وأن أهدأ من روعك .. أريد أن أقول أن الموضوع حله عندي .. كما أتمنى أن أكون .. ولكن إعذريني .. في هذه المرة فقط .. سأقف مع المجتمع و أرفض ما تطلبينه !

إبتسمت هدى إبتسامه ماكرة .. وقالت : هكذا إذاً !! هديء من روعك .. ولا تحرق أعصابك ..لا أحب ولم أذق للحب طعماً.. سبب ضعفي هو حصولي على علامة متدنية في مادة المجتمع .. ولكني أردت أن أثير الموضوع لأرى ردة فعلك .. وها قد عرفتها أقسم أنني لن أتزوج إلا بمن تقره أنت !!

أمسك سالم بكتاب المجتمع وبدأ بضرب هدى بلطف مظهراً غيظه ولكن الإبتسامة كانت تعلو شفتيه!!